سيد قطب

654

في ظلال القرآن

الحالة بالذات ، يتجه اتجاها معينا لهدف معين . هو علاج أعراض النشوز قبل أن تستفحل وتستعلن . ولكن العظة قد لا تنفع . لأن هناك هوى غالبا ، أو انفعالا جامحا ، أو استعلاء بجمال . أو بمال . أو بمركز عائلي . . أو بأي قيمة من القيم . تنسي الزوجة أنها شريكة في مؤسسة ، وليست ندا في صراع أو مجال افتخار ! . . هنا يجيء الإجراء الثاني . . حركة استعلاء نفسية من الرجل على كل ما تدل به المرأة من جمال وجاذبية أو قيم أخرى ، ترفع بها ذاتها عن ذاته ، أو عن مكان الشريك في مؤسسة عليها قوامة . « وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضاجِعِ » . . والمضجع موضع الإغراء والجاذبية ، التي تبلغ فيها المرأة الناشز المتعالية قمة سلطانها . فإذا استطاع الرجل أن يقهر دوافعه تجاه هذا الإغراء ، فقد أسقط من يد المرأة الناشز أمضى أسلحتها التي تعتز بها . وكانت - في الغالب - أميل إلى التراجع والملاينة ، أمام هذا الصمود من رجلها ، وأمام بروز خاصية قوة الإرادة والشخصية فيه ، في أحرج مواضعها ! . . على أن هناك أدبا معينا في هذا الإجراء . . إجراء الهجر في المضاجع . . وهو ألا يكون هجرا ظاهرا في غير مكان خلوة الزوجين . . لا يكون هجرا أمام الأطفال ، يورث نفوسهم شرا وفسادا . . ولا هجرا أمام الغرباء يذل الزوجة أو يستثير كرامتها ، فتزداد نشوزا . فالمقصود علاج النشوز لا إذلال الزوجة ؛ ولا إفساد الأطفال ! . . وكلا الهدفين يبدو أنه مقصود من هذا الإجراء . . ولكن هذه الخطوة قد لا تفلح كذلك . . فهل تترك المؤسسة تتحطم ؟ إن هناك إجراء - ولو أنه أعنف - ولكنه أهون وأصغر من تحطيم المؤسسة كلها بالنشوز : « واضربوهن » . . واستصحاب المعاني السابقة كلها ؛ واستصحاب الهدف من هذه الإجراءات كلها يمنع أن يكون هذا الضرب تعذيبا للانتقام والتشفي . ويمنع أن يكون إهانة للإذلال والتحقير . ويمنع أن يكون أيضا للقسر والإرغام على معيشة لا ترضاها . . ويحدد أن يكون ضرب تأديب ، مصحوب بعاطفة المؤدب المربي ؛ كما يزاوله الأب مع أبنائه وكما يزاوله المربي مع تلميذه . . ومعروف - بالضرورة - أن هذه الإجراءات كلها لا موضع لها في حالة الوفاق بين الشريكين في المؤسسة الخطيرة . وإنما هي لمواجهة خطر الفساد والتصدع . فهي لا تكون إلا وهناك انحراف ما هو الذي تعالجه هذه الإجراءات . . وحين لا تجدي الموعظة ، ولا يجدي الهجر في المضاجع . . لا بد أن يكون هذا الانحراف من نوع آخر ، ومن مستوى آخر ، لا تجدي فيه الوسائل الأخرى . . وقد تجدي فيه هذه الوسيلة ! وشواهد الواقع ، والملاحظات النفسية ، على بعض أنواع الانحراف ، تقول : إن هذه الوسيلة تكون أنسب الوسائل لإشباع انحراف نفسي معين ، وإصلاح سلوك صاحبه . . وإرضائه . . في الوقت ذاته ! على أنه من غير أن يكون هناك هذا الانحراف المرضي ، الذي يعينه علم النفس التحليلي بالاسم ؛ إذ نحن لا نأخذ تقريرات علم النفس مسلمات « علمية » ، فهو لم يصبح بعد « علما » بالمعنى العلمي ، كما يقول الدكتور « ألكسيس كاريل » ، فربما كان من النساء من لا تحس قوة الرجل الذي تحب نفسها أن تجعله قيما وترضى به زوجا ، إلا حين يقهرها عضليا ! وليست هذه طبيعة كل امرأة . ولكن هذا الصنف من النساء موجود . وهو الذي قد يحتاج إلى هذه المرحلة الأخيرة . . ليستقيم . ويبقي على المؤسسة الخطيرة . . في سلم وطمأنينة !